ألبوم الصور

1
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
227723
كلمة الأستاذة نهى فريد في إحتفالية تكريم أعضاء منتدى الثلاثاء الثقافي
منتدى الثلاثاء الثقافي - « نهى فريد » - 29 / 4 / 2012م

قبضة من عبـق

يحصل كثيرا أن نقرأ أو نسمع جملاً من قبيل (يعجز اللسان، تتعثر الكلمات، تتيه الحروف..) وما شابه من جمل تعكس عجز صاحبها عن البوح بما يختلج في نفسه من مشاعر تجاه موقف معين، وتبقى هذه الجمل عصية الفهم كما يجب لأحدنا قبل أن يعيش هو الآخر موقفا مشابها يعجزه عن البوح.

لست بالتي تعجزها الكلمات، وأنا التي تعودت أن تترجم مشاعرها على الورق وتحكيه بلسان القلب وخلجات الروح، بيد أني أشعر بشيئ من ذلك الآن، وما كان ليكون ذلك لولا أني في حضرة الوعي أقف أمام نخبة تعودت أن تمتهن الجمال وترتكب الألق في أسمى معانيه, نخبة تعودت روحي لسنين أربع على أن تتوضأ بها في صباحات الأربعاء. هذه الوجوه التي أنقل بصري بينها الآن أعرفها جيدا، أميزها جيدا جيدا.الأسماء، الأصوات، الهمهمات المختبئة خلف حقيقة المعنى، بل وحتى الخطوط وما أقرأ خلفها, كان لها كلها في نبضي حكايا روتها شهرزاد الثلاثاء ليصيحها ديك الأربعاء غواية لا زالت تشهق في دمي حتى اللحظة.

هذا الرجل المتربع على عرش القطيف حباً قال لي يوما: نهى أنتِ جزء لا يتجزأ من هذا العمل، فقلت له بل هو جزء لا يتجزأ مني, ولأني كنت أعني ما أقول، وحتى بعد انسحابي الخجل من مباشرة مهامي المتعلقة بمنتدى الثلاثاء لظروف خاصة بقيت على صلة وطيدة به، فرغم عدم تمكني من الحضور المستمر لأمسياته، إلا أني كنت متابعة لمجرياته أولا بأول، حاضرة لتقديم أية معونة متواضعة أتمكنها وأشهدكم أني المقصرة.

أقول أني قصرت بما أعطيت مقارنة بما أخذت.. وما أكثره, فلقد شرع لي الأستاذ الكريم والأخ العزيز جعفرالشايب عبر الثلاثاء أبواباً من المعرفة حلقت بها لآفاق واسعة أمطرتني بفيضها ما أثريت به رصيدي الفكري والثقافي والاجتماعي, الأمر الذي لم يتحقق لامرأة غيري, كنت المرأة الوحيدة التي تحضر المنتدى بكل معطياته وتعلم بكل ما يدور في أمسياته في ظل اقتصار حضوره على الرجال فقط، وكنت أغبطني على ذلك جداً, بيد أني لم أكن أنانية، فقد بقيت ألح على الاستاذ فتح باب الحضور للنساء، وكم تناقشنا في كيفية تحقيق ذلك.

كان الأستاذ جعفر يفكر في طريقة مثالية تتيح تحقيق هذه الأمنية دون أن تثير ما من شأنه خلق ازعاج لكل من له صلة بالمنتدى, وبقيت حتى دخول أول امرأة لهذا المكان المرأة الوحيدة التي حظيت بألقكم جميعا وكانت تبح بعض أسراركم لصويحباتها تدفعن بذلك لطلب فتح باب المشاركة لهن هنا عل كبيرنا بإلحاحهن يستجيب.

قالت لي إحداهن: أحسدك نهى. قلت مؤكدة: أغبطني.
فكيف بي وعلى مكتبي الخاص كان شريط تسجيل ينتظرني كل صباحَ أربعاء, شريط أخضر صوتي، قرص صلب مرئي، مجموعة أوراق تتضمن ورقة ضيف البارحة، بعض المداخلات المكتوبة، تعريف مدير الأمسية، وسجل الحضور بما يحتويه من أرقام جوالة وأبردة الكترونية للحضور الكرام.

كنت أسمي الله، وأتوضأ لأصلي صلاة ليست كأي صلاة, صلاة تدوم لساعات تنتهي مع أذان الظهر لأبدأ صلاة أخرى، تلك التي تعرفون جميعا, صلاتي التي لا تعرفونها كانت تبدأ بالاستماع المركز للأمسية كاملة أكتب أثناءه الملخص الذي كان يرسل لكم في الثانية عصرا. لبدأ بتغذية موقع الرسائل بأرقام هواتفكم وأرسل لكم كل أحد وثلاثاء خبراً عن الأمسية القادمة, ثم أباشر مهمتي الكبرى في جمع مادة المواسم السابقة كاملة تحضيراً لطبعها. العمل الذي لم ينهه الاستاذ حتى الآن.

في المرحلة الأولى لعملي، كنت أستعين به ليخبرني بأسماء المداخلين الذين ينسون ذكر أسمائهم قبل طرح مداخلاتهم، أو يتجاهلونها معتمدين على معرفة الحضور لهم لمداومة حضورهم، وكان يخبرني بهم ويحدثني أحيانا عن بعضهم ممن أتشرف بالتعرف عليه؛ فأستزيد وهجا قطيفياً, ذلك الوهج كان معينا لي لأميز الأصوات، وأفرق بينها بيقين لا يشوبه شك. حتى أصبحت بعد فترة وجيزة قادرة على تقييم المداخلات قبل طرحها؛ لمعرفتي بصاحبها.
كنت أحدث نفسي بأني مقبلة الآن على تلقي معلومة رائعة، وجهة نظر معقولة، رأي وسط، أو لا شيء، وقلما كان هذا اللا شيء لحضور المنتدى النخبوي. ولا أخفيكم أني كنت أفتقد بعضكم أذ يطول غيابه، فأسأل الأستاذ جعفر عنه ليخبرني أنه مريض منذ فترة، أو مبتعث للدراسة أو مسافر في رحلة عمل.

صلاتي التي أخبرتكم عنها كانت تطول أو تقصر تبعا لنوعية الموضوع وطرح الضيف ودعوني أيها الأحبة الآن أبوح لكم بسر أخفيته عن الأخ الأستاذ جعفر طويلاً, كنت حين أتأخر عن الانتهاء من كتابة التلخيص في الوقت المحدد وأواجه استغراباً منه لوضوح التسجيل وسلاسة الطرح, كنت أدعي بعض الانشغالات الطارئة أخفي بها استمتاعي بإلقاء نص شعري، دهشتي بمعلومة جديدة، وقوفي على رأي يخالف السائد، تركيزي على تحليل منطقي. وكنت بكلها أحلق بخيالي عاليا، أتخيلني حاضرة بينكم هنا أدلو بدلوي. كنت أحيانا أبتسم، وأقهقه أحيانا أخرى فتسألني زميلتي (نهى وش صاير؟ شكلهم ينكتوا في المنتدى) فأغمز لها وأمئ برأسي موافقة، ثم أعيد التسجيل للخلف مرة أخرى وأبدأ من جديد.

لم يكن الأستاذ جعفر ينزعج من تأخري، كان فقط يقول (طولتي علينا.. وش أقول لش بعد)!!
لا أزال أذكر حتى الآن رحلتي لليابان مع الدكتور ساتورو ناكامورا، تلك التي ارجعني فيها عبر بوابة الزمن لثلاثينيات القرن الماضي حين دخل الاسلام اليابان، وعايشت مع اليابانيين معاناتهم حينها كمسلمين. وأذكر أيضا رحلتي للمقدستين بمعية الدكتور سامي العنقاوي، إذ وقفت معه على نشأة الحياة المدنية فيهما، وحضرت معه برلمان دار الندوة نشجب طمس معالم ديننا وآثاره.

وكان لي مع الدكتور عبد العزيز بن سلمة جولةٌ خليجيةٌ اغتسلت فيها بحبر الصحافة وتدثرت ورقها، وأنا أواكب التقدم الاعلامي مادة الهابط معنى، ورغم أني لم أحب طاش ماطاش يوما غالبا إلا أن أمسية المنتدى مع مخرجه عبد الخالق الغانم كشفت لي بعض المستور فإذا بي أقل حدة تجاهه. ربما لأن الكثير من جمهوره افترشوا ههنا بحضرة تركي الدخيل إذ لم يجدوا لهم مقاعد تلملمهم وكنت بينهم أبحث عن مقعد ألملم فيه فضولي للتعرف على هذا السمين السابق.

ولأن القطيف لا تقل روعة عن كل ما زرت من مدن، بل هي الأروع إطلاقا قرأت تاريخ منطقتي في حلقات متعددة مع الباحثين حسين السلهام، عبد الخالق الجنبي، والدكتور محمد الغانم، وتعرفت على كثير كان عني غائباً. وتمنيت لو اقتنيت شيئا مما قدمه الاستاذ محمد الناصر من أثريات.

ولم تقتصر تنقلاتي على كوكب الأرض، فقد كان لرحلتي الفضائية مع الدكتور خالد اليحيى دهشتها وانا أراقب حدوث العالم من وجة نظر علمية تلك الدهشة التي لا أزال أتنفسها كلما شاهدت برنامجاً عن الفضاء على الشاشة الفضية.

وكان أجمل ما يكون أن أتبع الشعراء غواية، أتبارى ونوارس الشعر مع الاستاذ حسن السبع في كلاته الترجيحية وشعره الحلمنتيشي، وأقف على المنصة مع من يكرم السيد عدنان العوامي، وأسافر إلى كربلاء مع الشعراء، المعتوق، المقبل، الخباز، وغيرهم.

نعم لا أزال أذكر وأتذكر...
يلهبني سوط الطائفية؛ فأسترجع وجه الشيخ محمد الدحيم، والدكتور مسفر القحطاني، والدكتور عبد العزيز قاسم.
أرى أبناءنا يدورون في دائرة التعليم المفرغة فيحضرني الدكتور علي فخرو، وأسافر مع المغتربين لأكون شاهدا على معاناتهم. وأتمنى لو تنشر ثقافة الحقوق بين جميع أفراد مجتمعنا، وأنا أنادي الأستاذ ذاكر حبيل والأستاذ صادق الرمضان وغيرهما.

وفي ظل الاحباط الذي يوشك أحيانا كثيرة أن يتلبسني في ظل التهميش الذي تواجهه القطيف أتذكر أن في القطيف مخترعين ومبدعين، موهبين ومثقفين، شعراء وفنانين، متطوعين، ومحتاجين. وأراهم كلهم قد تفيأوا سقف الثلاثاء ليعلن لهم أن القطيف بهم تكتمل وأنهم بها يتكاملون.

أعي جيداً حجم التحديات التي نواجهها أفرادا وجماعات، وأتفهم حاجتنا لنرتقي ببعضنا البعض، وما هذا المنتدى إلا قناة للتكامل، معكم يتواصل، وبكم يصل، وبدونكم لن يكون قادرا على الاستمرار، ولطالما كنتم محل الثقة والتقدير حتى كسب بكم الاستاذ جعفر الرهان بعد أن تجاوز عمر المنتدى عشر سنوات وهاهو يقطع بثبات موسمه الثاني عشر.
أقول أني أعي جيداً حجم التحديات التي  نواجهها، وأعي تماما حجم التحديات التي يواجهها الأستاذ جعفرعلى مختلف الأصعدة التي يحارب فيها من أجلنا، من أجل القطيف.

هذا الرجل الأبيض الذي لا نراه إلا مشرعاً جناحيه ليحتضن كل من يرى فيه نبوءة غد, ماداً يديه لا لثمن يطلبه، ولا حظوة يركبها. هذا الرجل الذي مد يده لي كثيرا وكنت أعجز من أن أمسكها أقول له إني استميحك العذر كل العذر على تقصيري أباهادي, وعلى خذلاني إذ لم أكن جديرة بنبوءتك دائما. أنت هنا من يستحق التكريم لا أنا, فقد خصصتني باهتمام وأوليتني رعايتك خاصة استاذي.

الآن أعترف لك أني حين تلكأت عن ارسال سيرتي الذاتية ضمن اللجنة المنظمة للمنتدى في موقع المنتدى كان لشعوري بأني لا أحتمل فائق كرمك في غمرة تقصيري. فعذرا لا نهائيا.

وللجميع أيضا أقول أستميحكم العذر إن أطلت عليكم أو كانت كلمتي المتواضعة دون تصوركم، كلمتي لم تكن سوى قبضة من عبق لا يزال يرشو رئتي أحببت أن أنثكموه, من أعماق قلبي أيها الثلاثائيون أقول أني أحبكم وتقبلوا محبتي وصادق دعائي.