ألبوم الصور

التحولات الجديدة في المنطقة العربية
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
227723
«وجدانيات» المعاتيق والعبد الله تلهب مشاعر جمهور «الثلاثاء»

في أمسية شعرية متميزة، وشعر إبداعي رنان، وحضور جماهيري متفاعل، تعانق الفن مع الشعر في الندوة التي شارك فيها الشاعران حبيب المعاتيق وحيدر العبد الله، وأدارها الإعلامي محمد الحمادي مساء الثلاثاء ضمن فعاليات ال منتدى لموسمه الثقافي الخامس عشر.

تضمنت الأمسية معرضاً فنياً أقامته فنانة المنمنمات إشراق العويوي، التي حازت على العديد من الجوائز المحلية والإقليمية على أعمالها الدقيقة، والتي اضافت إلى هذا الفن اللمسة الخليجية لتجعل منه أداة فنية جديدة في المنطقة. والمنمنمة تعني الإنتاج الفني صغير الأبعاد، ويتميز بدقة الرسم والتلوين، ومعرضها نال إعجاب واستحسان الحضور.

وقدم حمد الحمادي كلا الشاعرين بتعريف موجز، فالشاعر حبيب المعاتيق من مواليد جزيرة تاروت في شرق المملكة، وهو يجمع بين الشعر العربي الفصيح وفن التصوير، حيث أصدر أول ديوان له بعنوان ”حزمة وجد“، وحصل على العديد من المراكز المتقدمة في مسابقات وفعاليات أدبية داخلية واقليمية.

وعرف الشاعر حيدر العبد الله بانه فهو من مواليد محافظة الأحساء بشرق السعودية، ويدرس في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وقد حاز على لقب وبردة شاعر شباب عكاظ عام 2013م، والمركز الأول في مسابقة نادي جازان الأدبي لعام 2014م.
وتناوب الشاعران المبدعان على مدى أكثر من ساعة وسط إصغاء وتصفيق الحضور لإلقاء قصائد شعرية ممتعة مقفاة وغيرها في مختلف أبواب الشعر ومواضيعه، شملت الغزل والعاطفة والوجدان والهروب والحزن والهجران.

المعاتيق الذي تألق في إلقائه وأبدع في اختيار قصائده، حيث افتتحها بقصيدة ”يا ضحكة الأحباب“ التي ضمنها آهات الألم والبعد، كما عبر فيها عن تأوهات الشاعر المرهف الإحساس:

ظمآن، هل عالم بالحال يفهمني
الشوق أعنف مما ينبغي، وأنا
لازال سيد أيامي، وأمنيتي
هل أنت يا ضحكة الأحباب ملتفتة
يا قوم أضعف من أتقي عنته
للوصل لم تعد إلا - في الهوى - أمته

وتلاها بقصيدة مؤثرة يخاطب فيها ابنته «آمنة» التي كانت تزوره في سجنه مع أمها، عنونها ”شيء من الحطب المحروق“، بيّن فيها غربته عن عالمه وعن ابنته العزيزة عليه، مخاطباً إياها:

غربتان التقتا في أوج أوجاعي العظيمة،
وأنا تجتاحني في عصف عينيك الهزيمة،
مااا لهذا الحيف من حد.
أنت والدمعة والغربة والسجن
وجيش من تباريح النوى ضدي.
مر عامان..
وفي كل مساء يكبر الشوق
فما عدت أراني
غير هذا الساهر المصبوب في جلدي.
إنه الحاضر، والآمر، والزاجر، والآكل، والشارب، والقارئ، والكاتب،
والمحي موات الروح، والمنهي عذاب الروح، والمبدي.
وأنا حارسه الساهر في خدمته،
كلما حاول قلبي يا ابنتي العصيان
لا يجدي.

وأخذ المعاتيق الحضور لعالم انساني أوسع حيث قرأ نص ”عيناك ومد من الغربة“، المهدى إلى طفل التوحد ورفاقه من ذوي الاحتياجات الخاصة، والذي نال عليه جائزة في مهرجان مرضى متلازمة داون عام 2010م، سطر في هذا النص أجمل التعبيرات الأدبية والمشاعر الإنسانية:

في المساحات التي تشرعها عيناك للآتين
في واد من الوحشة، يمتد سؤال
وعلى خديك تنهل من الدمع التباريح التي
لم تعد تقنعها كل الاجابات على أية حال
بات في علم المدى

أنك مولود توحدت مع الدمع وجودا
سلت في وجنة هذا العمر منسيا وسال

وواصل المعاتيق في عزفه على أوتار العاطفة الإنسانية في قصيدة ”أمي.. تباريح كونية“، ألهبت حماس الحضور بقوله: حين أشاهد أمي تهز رجليها كمن يهدهد وليداً، وهي تغني ”ياطيبين اللبن“ أعلم أنها قلقة جدا على أحد إخوتي.

لا تزالين على عتمة أيامي الشعاع
يا أمان العالم، الطفل أنا
لا زال يا أمي إذا أفلت من ملفعك البني ضاع.
عشت في زنديك أحلام صغار الطير
كان الحلم الأكبر، لو باغتني البرد ذراع.
وإذا عدت من المأتم بالحلوى
عشت يا أمي تباريح الكتاكيت الجياع.

وفي قصيدته المعنونة ”الحنين الذي لا يريد العبور“، جال في رحاب المشاعر المفعمة بالألم والمحبة:

ضعي فوق صدري الذي كاضطراب الصواري يدا،
أصيخي إليه، فخير الأحاديث تلك التي حدثتها الصدور.
تعالي على رسل خديك، نستاف نخب الهوى، ونتلو حديث الجوى،
وننسى هموم النوى،
وخلي العناق؛ اللهيب الأخير
على نهج بعض البراكين لما تثور

وختم الشاعر حبيب المعاتيق قصائده برائعته ”بعض اللحظات“:

بعض النظرات فتيلة نار عمياء
إذا اندلعت في القلب، تلم الأخضر والأملح.
بعض النظرات رصاصة موت طائشة،
لا تقتل من ألف بريء، إلا أنت على الأرجح
بعض النظرات إذا عبرت لا تفتح عينيك
ستفتح عينيك، ستخسر كل شبابك لو تفتح.

وبدأ الشاعر حيدر العبد الله القادم من هجر، والمتلبس شعراً وأدباً وحباً، قدم العديد من قصائد الحب والعشق، قصيدته المطولة ”زفاف إلى اللغة“:

إلى لغة أشهى من المأس جيدها
كأني بها والثوب يغتاب كرمة
تحسست الأنثى التي هي والتي
وطافت على الأحلام كالمستحيل،
ونائمة أضحى الكلام جميعه
تحج المعاني، كل معنى يريدها
على صدرها قد زاحمته نهودها
على ضفة الرمز استحمت ورودها
أو كأسطورة لا شيء إلا خلودها
لديها، ولما يصح منها رقودها
أرى البحر - منزوعا من الرمل -
جزيرة أشباح ونخلة تائه

وتهتز حتى يشبع الصوت والصدى
وينطفئ الإصغاء، وهي تزيدني
حولها يجف، ولم تفلت من الماء بيدها
متى جاع لم يبخل عليه جريدها
ويسقط من تمر القوافي نضيدها
سكوتا على نبر اللظى وأزيدها

انتقل بعد ذلك إلى قصيدة ”العطر“ في تجربة يلمس فيها معاني العطر وأسراره وتأثيره المتبادل بقوله:

العطر يملؤه الصهيل وتعيش داخله الخيول
فتح به يعد الندى، وتشي البحيرة والخميل
أن الأزاهر أمة، والعطر بينهم رسول
هو ردهة ترتاح فيها الريح، والأنثى تقيل
أسراره سحب يغازلها بلا كلل هطول
حتى إذا ما دولب المفتاح.. وانطفأ الفتيل؛
فاحت وباحت بالذي كانت تبخره النخيل

وفي رائعته الجميلة ”تقاسيم شرقية“ تألق العبد الله بشاعرية راقية، وبإلقاء متميز وجاء فيها:

أرى وترين يرتعشان لي،
تراودني «زليخاه»، فأطوي
على جوعين، تشربنا المرايا
ولا إمعان يشبع.. لا صلاة
معي «القانون» تترعني يداه،

متى إمتلأ المكان بنا كلينا..
بل أرى عطشين، فالقانون صنوي
رواقا بين سكرته وصحوي
على وجعين، في غرق وطفو
تطبب، لا صدى، لا موج يروي!
وأترعه بموالي.. وحدوي
خوى! ونظل نملؤه.. فيخوي!

وكانت آخر قصائده التي ألقاها هي ”أغنيات للطفلة التي لعبتني“، والتي نالت استحسان الحضور وجاء فيها:

أخاف من تشوقي إليك!
أخاف من تخوفي عليك!
أخاف أن أنام في يديك!
آه.. لو كنت لم تكوني بقلبي!
آه.. لو كنت لم أكن فوق متني!
خففت لي فراشة الحب صدري..
غير أن الحياة قد أثقلتني!
أنصتي للخريف في قعر صوتي..
رعشة الكون كلها أخذتني

وبين ثنايا قصائده الرائعة، كان يترجل أبيات شعر نبطية عن الحب والبعد والهجران عبر فيها عن شاعرية مرهفة ولغة انسيابية جذابة.

ومع هذين الشاعرين المفعمين بالمشاعر الجياشة والأحاسيس المرهفة، أنهى مدير الندوة الأمسية الشعرية وسط تصفيق الحضور وتفاعلهم.